الشيخ محمد الصادقي الطهراني

166

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

تَزْعُمُونَ ( 94 ) : هل الخطاب في « جئتمونا » هو من اللّه ؟ والكفار « لايُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ » ( 3 : 77 ) ! فليكن من الملائكة نقلا عن اللّه ؟ وصالح التعبير - إذا - « لَقَدْ جِئْتُمُونا . . . كَما خَلَقْناكُمْ » ! . « لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلايَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلايُزَكِّيهِمْ » ( 3 : 77 ) إضافة إلى اختصاص السلب بيوم القيامة ، لا تعني إلّا كلام العطفة الرحمة ، وأما كلام التنديد والزحمة فهم مستحقوها على أية حال ، اللّهم إلّا يوم الدنيا حيث لا يواجهون بخطاب إلّا بوسيط الوحي . « وَلَقَدْ جِئْتُمُونا » لعالم الحساب والجزاء ، فكلنا جاءون إلى اللّه ، إلى ربوبيته في عالم التكليف يوم الدنيا ، وإلى ربوبية الجزاء في عالم الجزاء ، وهنا زيادة أن المكلفين لا خيرة لهم في أعمال ، إلّا الجزاء الموعود لهم ثوابا وعقابا . « جِئْتُمُونا فُرادى » بالخلق الثاني يوم القيامة ، فردا عريان وأجرد غلبان ، لقد ندّ عنكم كلّ شيء وتفرق عنكم كلّ أحد وما عدتم تقدرون على شيء ممّا خولكم اللّه إياه ، فأصبحتم دون أيجمع أو قوة إلّا كلّ بنفسه « كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ » حيث لا جمع ولا قوة ، بفارقين اثنين : أن المحافظين من الوالدين وسواهما هنا ليسوا هناك ، وأنكم تحملون معكم مستحق الثواب أو العقاب ، ف « تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ . . » تقضي على الأوّل ، وكونه يوم الجزاء يحكم بالثاني ، وكافة الوسائط المزعومة والشفعاء المتخيلة مقضي عليها ب « تركتم - إلى - تزعمون » . « تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ » من قوات ذاتية ، وأخرى منفصلة من أموال وبنين وما شأبه ، إنها كلها متروكة وراء ظهوركم ، حيث ظلت في الحياة الدنيا وضلت عنكم في الأخرى ، فما يحولنا اللّه إياه من طاقات وإمكانيات متصلة أو منفصلة هي متروكة لساعينا ، أن نتركها وراء ظهورنا إذ لم نستفد منها ولم نفد في مرضات اللّه ، أو نقدمها لأنفسنا « وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ » فليس « جئتمونا فرادى وتركتم » إلّا على الأولين ، ثم